ليل العائدين
EGP 200
“فضل أن يدخل مرج الدوالي ليلا. قضى ليلته بالقشلة، وضاع طوال النهار بأزقتها الضيقة المتربة وشوارعها المحفرة الموحلة. مر أمام الكنيسة القديمة؛ تذكر ناقوسها النحاسي الضخم. لم يسمعه يدق يوما، ولم ير رهبانا مسيحيين بمسوحهم السوداء وصلبانهم الثقيلة ونظراتهم الحانية، ولم ير مصلين أيام الآحاد يقيمون قداساتهم. منذ الاستقلال، غادر الفرنسيون البلاد، وكان أول مشهد يختفي بعدهم هو آثار العقيدة النصرانية. ظلت الكنيسة القديمة مغلقة مدة طويلة، حتى تحولت إلى دار ثقافة بئيسة. مر بكنتينة نيكولا؛ هي الأخرى مغلقة. كان يرى السكارى يدخلون ويخرجون مترنحين، يتبولون أو يتقيأون على الحيطان؛ بعضهم كان ينام أمام باب الكنتينة حتى يطلع الصباح أو تلتقطه دورية البوليس، وبعضهم كان يلقي “حِكَمه” الليلية حول مكر النساء وغدر الزمان وهو في حلة بكاء هستيرية. مر ببيسري مدام راشيل، العجوز الفرنسية التي كانت متزوجة من مسيو اسماعين الذي لم يعرف أحد يعرف من أين أتى وكيف دخل القشلة. لم يصدق أن البيسري، الذي كان يبيع الروج والبيرة والويسكي للكبار والبونبون للصغار، لم يعد له وجود. مر أمام ﭬيلا مدام ﭙيروني، اليهودية التي كانت المرأة الوحيدة في القشلة التي تركب دراجة هوائية، وتسكن وحدها في ﭬيلا لم يدخلها أحد؛ الـﭬيلا بحديقتها المسيجة وأناقة ورودها العصرية الجميلة، بنفسج، ياسمين، ليلك، حبق، توليب، مسك ليل، لبلاب متفرع فوق النوافذ الخشبية الواسعة، حيث كانت توضع مزهريات كبيرة من الأزهار المستوردة التي لم يكن أحد يعرفها. نادرا ما كان الناس يرون مدام ﭙيروني جالسة أمام مسكنها لا تفعل شيئا؛ دائما مشغولة ومنهمكة؛ تسقي الورود، تشذب الشجيرات، تقلب الأرض بقادومها الصغير، تقلم اللبلاب، تمسح زجاج النوافذ، تشد أسلاك السياج المحيط بحديقتها، تغسل دراجتها الهوائية، وبعد الأصيل، تجلس على أريكتها الهزازة تدخن سجائر فرنسية وتشرب قهوة سوداء؛ تتأمل المجال ولا تكلم أحدا”.

Reviews
There are no reviews yet.