تأملات في الوضع البشري
EGP 300
تكاد تتوازى مسيرة التقدم البشري مع صيرورة نزع السحر عن العالم. غير أن صيرورة العَقْلنَة هذه لم تتوقف عند سحر الخرافة، بل امتدت لتنزع سحر الغيب من الدين برؤيته الروحية للوجود، وسحر الميتافيزيقيا بتصوُّراتها المثالية للعالم. تدريجيًّا، وبقوة الثورات الصناعية والتكنولوﭼـية نما مجتمعٌ شَبَكيٌّ معقد قِوامُه “الاستهلاك” و”الفُرْجة”، حيث لا قيمة إلا للثروة والسلطة، ولا وجود للتشارُك العاطفي والتضامن الوجداني، فبات العالم مسطحًا، يفتقد إلى ما يروى ظمأ الإنسان للمعنى ويحفزه على مشاركة الآخرين في مجتمعٍ دافئٍ رحيم. كردِّ فعل، وُلِدت صيرورة تاريخية نقيض لإعادة بث السحر في العالم، لكنه سحر جديد لا يهبط من أعلى بل ينبثق من أسفل، من تمجيد النشاطات الدنيوية خصوصًا السياسية والرياضية والفنية؛ لتصير طقوسًا شبه دينية تثير النشوة النفسية. لكن هل يعني ذلك انتفاء المشكلة، حيث حلَّ المقدَّس الوضعي بديلًا للمتعالي وانتهى الأمر؟. كلَّا، ففي الفجوة القائمة بينهما وُلِد ثقبٌ أسود في جدار الحضارة المعاصرة ظل يتسع حتى أربك حركتها: بين تقدم العقل العلمي، وادِّعائه باليقين الحتمي. بين تحرُّر الإنسان من أَسْر الوصاية باسم الإله، ومحاولة فرض وصايته هو على الإله. بين تجاوز اغترابه في التاريخ، وتوهُّم قدرته على التحكم في حركته بدقةٍ وإنهاء مسيرته في أية لحظة. بين امتلاك التكنولوﭼـيا لتحرير الذات من أسر الحواسِّ وقبضة العبودية الخشنة، والخضوع لتكنولوﭼـيا تمارس ضده شتى صنوف الغواية والإرغام وصولًا إلى العبودية الطَّوْعيَّة. ومن ثَمَّ يصدر هذا الكتاب مهجوسًا بقلقٍ دفينٍ على الوضع البشري أُضيف إليه قلقٌ طارئٌ فجَّره الوباء الكوني، داعيًا إلى الخلاص من كليهما عبر نزعةٍ إنسانيةٍ “رُوحيَّة” تحاصر المجتمع الاستهلاكي، وتؤسس لضميرٍ إنسانيٍّ مشترك يدعم قدرتنا على الحُلْم بعالمٍ أكثر نبلًا واستنارةً وأقل توترًا وكآبة..

المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.